شاركها 0FacebookTwitterPinterestLinkedinRedditWhatsappTelegram 162 ربما ما رجا المرء شيئًا أبدًا بقدر ما رجا الحُبَّ من شخصٍ ما. فما الجدوى من بقائنا في عالم لا نجد فيه كتفًا نُلقي برأسنا عليه بعد يومٍ حافلٍ بالمعارك. ونحنُ على حالنا هذه أشبه بتضرعات فان جوخ اليائسة التي تردد صداها في الأفق لكنها لم تلقَ استجابة. وهذه الرسالة أدناه، رغم أنّها مُتخيَّلة، ولم يكتبها «فان جوخ» لأخيهِ ثيو، إلا إنها تعبيرٌ عن كُلِّ ما ألمَّ بنا وكنا فيه كمَن يَصَّعدُ في السماء دون استجابة. عن كُلِّ ما ألم بنا وكنا فيه كفان جوخ وهو يرثي حاله لأخيه ثيو، وختامُ هذه الرسالة بنفس العبارة، لا لشيء، إلا لنقول: ما أشبه اليوم بالبارحة. ما أشبهنا بفان جوخ، وأشبه فان جوخ بنا. عزيزي ثيو: لم أكن أنوي الكتابة. أما وقد عاتبتني على قلة المراسيل إليك. فكان لزامًا عليَّ أن أصونَ ما بقي من الود. وهذا خطابي إليك في مطلع عامٍ جديد. «لا أدري»، هذا هو جوابي على سؤالك الذي سألتنيه في خطابك. أنا حقًّا لا أدري هل أنا بخير أم لا. أنا لا أدري أصلًا ما هو هذا الخير الذي يفترض أن أكون عليه؟! كل ما أعرفه هو أن عداد السنين لا يصيب سوى روحي فيأكل منها بقدر ما يأكل موج البحر المتدافع من شاطئ بلدتنا الصغيرة؛ فلا أدري أيُّنا يتلاشى أولًا، روحي أم الشاطئ. وما الشاطئ إلا روحي، وما روحي إلا صنيع هذا الشاطئ. عزيزي، إنني أفقد الشعور شيئًا فشيئًا. قديمًا كنا نخاف من وباء الرمد الربيعي. أذكر عندما كانت تحشونا أمي بالملابس والأطعمة في رحلتنا إلى جدتي في جنوة ريثما تنتهي الرياح ويزول الوباء فنعود ثانية إلى جزيرة الحب. أمي كانت تخشى علينا العمى، ولكنها لم تكن تدري أن ثمة ما هو أعز من البصر يمكن أن نفقده. أنا لا أكتب لك لأني لا أدري ماذا عليَّ أن أكتبه لك، ولماذا أصلًا أكتب لك؟ صدقًا، أنا لم أعد أفهم مغزى وجود البشر في الحياة. على الأقل في حياتي أنا. أنا لم أنجح في الاستغناء عنهم، ولم أنجح أيضًا في إيجاد سبب لهم، أنا أجمع الناس حولي وأندس في تجمعاتهم، لا لأسمعهم، بل لأسمع ضجيجهم وحواراتهم اليومية المملة وأحلامهم الساذجة وتفاخرهم العبثي بانتصاراتهم التافهة. كل هذا أصبح لي كالحطب الذي أشعلناه في شتاء ديسمبر/ كانون الأول لنستدفئ به. إنهم لا شيء فعلًا. وأنا لا شيء أكثر صدقني إننا نحيا في عدمٍ. كل ما آمنت به سلفًا قد أتت عليه الأيام حتى أضحى سحابة رمادية مثقلة بمياه المطر، مرت على فناء بيتنا ذات غروب فأفضت ما بها ثم غابت في فضاء السماء الفسيح؛ وتركت الطفل بداخلي يتساءل هل كانت السحابة موجودة أصلًا أم أنها خُلقت لتثير الشكوك ثم تختفي؟! حينما رحلت عني أولجا كان رحيلها مُدويًا. كنا تحت شجرة البرتقال في أقصى البلدة حيث اعتدنا اللقاء، وكان الدم قد غزا لون وجهها القمحي فأحاله غضبًا! لأول مرة يا أولجا أرى عينيكِ بلون الغضب وشفاهكِ بلون الغضب. حتى خصلات شعرك المنسدلة من خلف الوشاح، هي الأخرى كانت بلون الغضب. أولجا لم تفهم يومًا ما بي يا ثيو. هي لم تقرأ لغة حبها الساكن في قلبي. أولجا لم ترَني يومًا! أنت مُحَمَّل بالأعباء النفسية التي لن أقوى على حملها، أنت غير مفهوم ولا تدري أصلًا ماذا تريد مني، ولن تأتي لبيتنا لتتناول العشاء مع أبي كما وعدتنا، ولن تنتظم في أعمال النجارة مع الخال تارديللي لتكسب النقود وتشتري بيت حلمنا في أعلي التلة. ولن تجيد فعل شيء سوى الجلوس على شاطئ البحر للضحك والسمر مع صبيان البلدة أو الجلوس للكتابة أو للتأمل. اللعنة عليك وعلى التأمل. أنت لا تجيد سوى نقض الوعود وفَطرَ القلوب. وأنا لن أنتظر لكي تفطر قلبي. أنا فعلًا لن أحتمل. كان هذا آخر كلامها لي، قبل أن تصفعني وترحل. لقد صفعتني يا ثيو. لم تقبلني قبلة للوداع! بل صفعتني. خافت على قلبها القاسي أن ينفطرَ ففطرت قلبي الهش. حتى الحب لم أعد أجيده يا ثيو. لم أعد أدري ماذا أريد منه أصلًا. وأراقب السنين تبتعد بي عنه دون أي مقاومة مني. أنا الآن وحيد يا ثيو. وحيد كجدنا في شرفة منزله الخاوي. وحيد كالدمعة في عينيه لا تقوى حتى على الانسكاب. أنا سعيد بالعام المنصرم. لأنه اقترب بي أكثر إلى القاع. لقد سئمت الأمل الزائف، وسئمت محاولاتي لإقناع نفسي بأني أجيد فعل كل الأشياء التي يفعلها الناس. رغم أني أوقن بأني لا أجيد أي شيء. سئمت ما تدعوه أمي كسلًا، وتدعوه خالتي تكاسلًا، وأدعوه أنا «تيهًا». أنا لا أفعل، لا لأني لا أستطيع أن أفعل. ولكن لا أدري لِمَ أفعل؟! أنا لا أكتب لك يا ثيو لأني أدري بأنك سترقُّ لحال رفيق دربك ولا تملك في مساعدته شيئًا. استمتع بعامك الجديد ولا تفكر في أن تكتب لي مرةً أخرى. فعامي الجديد إما أن ينتصر عليَّ كسابقه وحينها سأموت لأن رصيدي من الأعوام على وشك النفاد. وإما سأنتصر عليه وحينها لن أكتب لك، وإنما سنغني سويًا على قارب العم أليكس في بحر جنوة كما اعتدنا أن نغني بلا حساب. إن قابلت أولجا في المدينة فأخبرها بأني أحبها رغم أنها فطرت القلب فطرًا. وإن كتبت لخالتي فلا تذكر اسمي في الخطاب لأنها تحبني، وكلما تذكرَّت حالي رأفت بي وهي مريضة على كل هذه الرأفة. وداعًا ثيو! سأغادر نحو الربيع. مقالات الرأي والتدوينات لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر هيئة التحرير. قد يعجبك أيضاً فيلم «Vagabond»: حكاية شاعرية عن الحرية مفهوم العدالة: لماذا رفض سقراط أن يهرب من حكم الإعدام؟ إدوار الخرّاط: العزف سردًا — والموت قصًّا مشاهد مُبحِرة (شعر) شاركها 0 FacebookTwitterPinterestLinkedinRedditWhatsappTelegram محمد أحمد زكي Follow Author المقالة السابقة رواية «واحة الغروب»: مراتب النفس البشرية وصراعاتها المقالة التالية لأصحاب الشركات والمؤسسات: 5 أدوات تساعدك على الابتكار قد تعجبك أيضاً احفظ الموضوع في قائمتك نظرة على «الهويات القاتلة» لأمين معلوف 27/02/2023 احفظ الموضوع في قائمتك فيلم «Vagabond»: حكاية شاعرية عن الحرية 27/02/2023 احفظ الموضوع في قائمتك بعث «فرويد» من سُباته: ثورة على مفاهيم التحليل النفسي 27/02/2023 احفظ الموضوع في قائمتك العلاقة الوطيدة بين سوق العقارات والتجارة الإلكترونية 27/02/2023 احفظ الموضوع في قائمتك 12 نصيحة قبل البدء في مشروعك المنزلي 27/02/2023 احفظ الموضوع في قائمتك فرصة ثانية – قصة قصيرة 27/02/2023 احفظ الموضوع في قائمتك حرية التعبير: الكوميديا في مواجهة الصوابية السياسية 27/02/2023 احفظ الموضوع في قائمتك سيكولوجية استبداد الجماعات: «معبد الشعوب» نموذجاً 27/02/2023 احفظ الموضوع في قائمتك 7 مذاهب إنسانية في تكوين العلاقات الاجتماعية 27/02/2023 احفظ الموضوع في قائمتك لم أعد مؤمنًا بما يكفي | نثر 27/02/2023 اترك تعليقًا إلغاء الرد احفظ اسمي، البريد الإلكتروني، والموقع الإلكتروني في هذا المتصفح للمرة القادمة التي سأعلق فيها.