شاركها 0FacebookTwitterPinterestLinkedinRedditWhatsappTelegram 84 يتذكر يومها حين كانت الشمس تلفح وجهة الأسمر، تتراص عربات الشرطة يمنة ويسرة تتربص عيون رجالها به، الكل بالرداء والهراوات السوداء متأهب للفتك به، والكل ممن معه متأهب لعلقة ساخنة ستنالهم حتمًا، هذه ليست وجوه يعرفها أبدًا، شيء ما خاطئ حدث في تركيب الكون منذ دقائق لا بد. من قال أننا لا نتعلم؟ تكفيني عشر دقائق أسترجع فيها ذكريات أمتي حتى تطل علي تلك الحقيقة؛ أننا نتعلم كل لحظة، ونحوز رضا معلمينا من هول ما نصنعه بسرعة تعلمنا كان الخبر بالبارحة، المروحيات الإسرائيلية تقتل ستة جنود مصريين على الحدود في رفح. انتهاك صارخ لا معنى له، تجرأ الكلاب ولم يخرج بعد تصريح رسمي واحد على قدر المسئولية. وقتها كانت تكفيك تغريدة لتجد الشوارع تزدحم بالملبين، وقد كانت الدعوة للنزول والاعتصام أمام السفارة الإسرائيلية، ولكن ما فاجأهم بعدها هو كم أفراد الأمن التي أحاطتهم بعد أيام من اعتصامهم في «احتفالية أمنية» خلفت العديد من الإصابات بين صفوف المتظاهرين. يتحسس بعدها جرحًا غائرًا في وجهه، هل كنا نعتصم أمام وزارة الداخلية أم سفارة العدو؟ نفس الغضبة ونفس الهراوة وربما من نفس الجندي، يدافع عن الساحتين بنفس الحمية. لماذا تساوت الأمور؟ لأنه يبدو أنه قد سرق أحدهم إرث جدتي. من قال أننا لا نتعلم؟ تكفيني عشر دقائق أسترجع فيها ذكريات أمتي حتى تطل علي تلك الحقيقة؛ أننا نتعلم كل لحظة، ونحوز رضا معلمينا من هول ما نصنعه بسرعة تعلمنا، حتى معلمينا لم يظنوا يومًا أننا نتعلم بهذه السرعة. مذ متى أصبحنا كذلك؟ وكم سيستغرق الوقت حتى نصير لأسوأ منه؟! تردني أخبار حين كان حديثنا أن نمحو العدو من على وجه البسيطة. كانت الدماء الحارة تكاد تنفر من العروق، والعدو يحتاط كل لحظة أن يستثير أعصابنا، كان حينها يخرج محمد عبد الوهاب ليعلنها «فحق الجهاد وحق الفدا» ولم يكن ليلاقي حينها إلا مزيدًا من الترتيل المستمر من مقاهي القاهرة وصولاً إلى كتائب الجبهة. ويصول الثلاثي نزار، عبد الوهاب، أم كلثوم، فيحرضوا شعوب الأرض و يتفاخروا بأنه «أصبح عندي الآن بندقية»، وأن لا نقاش لا يوجد لفلسطين إلا طريق واحد «يمر من فوهة بندقية». حينها لم يكن ليعترض أحد بأننا نؤجج صراعًا أو نقذف بأنفسنا للتهلكة، ولم يكن يعلم التاريخ انقسامًا حول ما إذا كانت البندقية حلًا أو حلًا بديلًا. لقد كانت البندقية منهاجًا إذا ما صار هناك عدو، ودارت الأيام في عزها وأرذلها، نتغنى بقذف تل أبيب في البحر، وننشد بأنه لا سبيل إلا بالسلاح الصاحي حتى نلتقط الصورة سويًا في نفس الميدان. تردنا كل تلك الأيام التي كان فيها عدونا يخشى النظرات حتى بعد انتصاره في 1967. كان يعلم أن جموعًا لو قبضت على شيء من تلابيبه ما أفلتتها إلا على جثتها، يحاول جاهدًا تشتيت الجموع ولكن هيهات، تتشتت قليلاً وتتنافس الأحزاب، ثم يعود الكل مجددًا ليجتمع حول العدو الواحد جاهدًا أن يفتك به. علمونا بالسياط أن منهاجنا السلام المزيف، سلام الاستغناء والرضا بعقاب ولي الأمر، وأن من طبائع القدر أن الضربة من بندقياتهم إلى صدورنا ليس لها إلا مسار واحد و ثم تأتي أيام يعلمون فيها أجيالاً أن يمحوا كل تراث آبائهم ويبدأوا يتغنوا بالـ«الاستسلام»، الموصوف بهتانًا بالـ«سلام». أصبحنا من موقع المندفع إلى المدافع بل المنزوي في جحر فأر. يتحول مسار حياتك من الرد بالمثل، إلى الدفاع بالامتثال للأوامر العليا. تحاول بعض جيناتك من قديم الأجيال أن تستفزك لفعل شيء، فتخرج بعض الأغاني الحزينة والتراتيل الصوفية التي لا تتغنى إلا عن كم أننا مظلومون، وحنانيك أيها المجتمع الدولي، هلا بنظرة عطف من أجل الاستسلام الذي نتقنه؟ علمونا بالسياط أن منهاجنا السلام المزيف، سلام الاستغناء والرضا بعقاب ولي الأمر، وأن من طبائع القدر أن الضربة من بندقياتهم إلى صدورنا ليس لها إلا مسار واحد، ويمكنك أن تبكي قليلاً وقتها على أخيك الذي نالته الرصاصة صاحبة المسار الواحد، وترتقب الجهة التي ستنالك فيها الرصاصة القادمة. رسخوا في أدمغتنا أن هذه هي الأدوار التي اختارتها السماء لكلينا نحن والعدو، حتى صرنا نخبئ أشرطتنا الحزينة وشعاراتنا الموسمية من ضربة إلى ضربة، ظانين بأنه أقوى الإيمان ولا بديل عنه. البديهي صار قابلاً للنقاش! تعال لنتناقش حول من الأحق بالأرض! تعال لنتباكى على وزير دفاع العدو! تعال لنختلف حول من هو العدو أصلاً!، تعال لنطبع ونوثق و نزيف المسميات!. لماذا تصر أيها الفتى التعيس على نبش قصة «بندقية أم كلثوم» بعد كل هذه العقود؟، يا لك من همجي دوني. لكل عصر أذان، ومؤذنك يصدح من أعلى مآذنهم هم لا مئذنتك. من قال لك أن الحقوق لا تسقط بالتقادم؟، لقد سقطت ودفناها سويًا مع بندقية أم كلثوم. مقالات الرأي والتدوينات لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر هيئة التحرير. قد يعجبك أيضاً لم يكن انقلابًا! البوركينى موضة جديدة وليس رمزًا دينيًا يوسف القرضاوي: عشرون عامًا مع «شريعة وحياة» سلسلة «في الفكر النهضوي الإسلامي»: 50 كتابًا قيمًا شاركها 0 FacebookTwitterPinterestLinkedinRedditWhatsappTelegram أبو بكر سليمان Follow Author المقالة السابقة تحديات تواجه نماذج العمل الخاصة بالحشود (1) المقالة التالية حكايات نهاية الربيع العربي قد تعجبك أيضاً احفظ الموضوع في قائمتك الشيخ الضرير والمثقف وبؤس العلمانيين المصريين 27/02/2023 احفظ الموضوع في قائمتك روسيا واليمين المتطرف: كومنفورم القرن الحادي والعشرين 27/02/2023 احفظ الموضوع في قائمتك رواية «قبل النكسة بيوم»: ديمقراطية الحكي وازدواجية المكان 27/02/2023 احفظ الموضوع في قائمتك مستشرقون ومهتدون في مشهد الحج الأعظم! 27/02/2023 احفظ الموضوع في قائمتك على الطاولة: قراءة في أجندة الاجتماع بين أردوغان وبوتين 27/02/2023 احفظ الموضوع في قائمتك «العو» الذي أحبه! 27/02/2023 احفظ الموضوع في قائمتك حلم عثمان: الأساطير المؤسِّسة للتاريخ العثماني 27/02/2023 احفظ الموضوع في قائمتك النجاح ما بين عقبات مميزة وأفضلية غير مكتسبة 27/02/2023 احفظ الموضوع في قائمتك الإدارة بالأهداف في وقفيات الأميرة فاطمة 27/02/2023 احفظ الموضوع في قائمتك وقفية جزيرة «طاش أوز» شرق المتوسط 27/02/2023 اترك تعليقًا إلغاء الرد احفظ اسمي، البريد الإلكتروني، والموقع الإلكتروني في هذا المتصفح للمرة القادمة التي سأعلق فيها.