وَإنما أوْلاَدُنَا بَيْنَنا ـــــــــــــــــــــــــــــ أكْبَادُنَا تَمْشِي عَلى الأرْضِ





من شعر «حِطَّان بن المُعلَّى»

ليس بإمكاننا جميعًا -ولا من واجباتنا- أن نكون أطباءً للطوارئ- لكن الحفاظ على حياةِ أولادنا بالتأكيد من أهم فروض الفطرة والعقل. خاصة عندما يكون مكمن الخطر قريبًا للغاية منهم، بل في قلب بقعة الأمان والسكينة الأهم لنا ولهم في الحياة؛ بيوتنا.

كل تفصيلة تحيط بنا في المنزل (أدوات الطعام، الألعاب، البوتاجاز، غلّاية الشاي، بطاريات جافة، زجاج منضدة،…. إلخ) قد تمثل خطورة حقيقية على حياة طفل صغير يستكشف الدنيا من حوله. ولأننا لا نملك أن نحبس أطفالنا في صناديق محصنة حفاظًا عليهم، فليس أمامنا سوى التسلح بالمعرفة والثبات الانفعالي وسرعة التصرف.

فأطفالنا يذوبون في البيئة المحيطة بهم، وفي كل ما يثير انتباههم لحظيًا، ولا تعقل أمخاخُهم الصغيرة بعد مثل هذه النزوات البريئة، فتكبلهم بحسابات المكاسب والخسائر .. إلخ التي يغفلها حتى الكثير من الكبار! تزداد الخطورة في الأطفال أقل من 3 أعوام، والذين لا يستطيعون طلب المساعدة بشكل جيد، اللهم إلا بخط الإنذار الوحيد لكل الأحوال وهو البكاء.

ما سنذكره في السطور التالية يتعلق بأرواحٍ أغلى علينا من نفوسنا ومن كل ما نملك. وثوانٍ معدودات نمتلك فيها زمام أنفسنا، ومشاعرنا، لنحسنَ التصرف كما سنبين في هذا المقال، ستحول بداية كارثة قد تدمر حياتنا، إلى قصة عابرة للذكرى والاعتبار.


10 قواعد أساسية للتعامل مع حوادث الأطفال بالمنزل:

1. ممنوع الهلع منعًا باتًا.

2. التركيز هنا على التعامل الأولي في الثواني والدقائق الأولى الثمينة والتي لا يمكن انتظار المساعدة الخارجية فيها، وهو بالطبع لا يغني عن طلب المشورة الطبية العاجلة حسب الحاجة.

3. ممنوع الهلع منعًا باتًا.

4. الامتناع التام عن توبيخ الطفل لحظة حدوث الواقعة، إذ سينفعل بشدة، ويفقد أعصابه، ويصعب التحكم فيه، ومساعدته. كما قد يخفي بعض ما يشعر به .. إلخ، وكل هذا قد يفاقم المشكلة أكثر.

5. الوقاية بالطبع خيرٌ من العلاج. حاول إبعاد مصادر الأخطار المحتملة عن محيط الطفل. أغلِق باب المطبخ خصوصًا أثناء طهو الطعام. لا يُترَك الطفل وحيدًا أبدًا حتى يصل إلى سنٍّ يزيد فيها استيعابه، ويمكن طلب المساعدة … إلخ.

6. ممنوع الهلع منعًا باتًا.

7. عند تعرض الطفل لحادثة كبيرة أدت إلى نقص فقدان وعيه، لابد من الملاحظة الجيدة لتنفسه، وتحسس نبضه بضغطة بسيطة على شريان العضد (في الجزء الأعلى من مفصل الكوع)، أو من شريان الرقبة. في حالة الشك في توقف النبض والتنفس، لا تضِع ثانية واحدة، وابدأ عمل

الإنعاش القلبي الرئوي

أثناء انطلاقك -أو ريثما تصلك خدمة الإسعاف المجهزة- إلى أقرب مستشفى للطوارئ.


فيديو مبسط لعمل الإنعاش القلبي الرئوي للأطفال

8. حاول في غمرة انفعالك ألا تسبب لنفسك ضررًا، فهذا لن يفيد الطفل بأية حال.

9. لا تضع وقتك في طلب مساعدة لن تفيد كثيرًا، كمحاولة الاتصال بطبيبك المعتاد تليفونيًا … إلخ. اعتمد على نفسك وسرعة تعاملك، ثم على أقرب خدمة طوارئ فاعلة.

10. ممنوع الهلع منعًا باتًا!

والآن جولة مع أشهر الحوادث التي قد تقع للأطفال بالمنزل، وكيفية التعامل الأوليّ معها.


السقوط … كسور؟ نزيف بالمخ؟….؟


السقوط المتكرر

هو أشهر ما يتعرض له أطفالنا من حوادث. لحسن الحظ، في معظم الأحوال التي يسقط فيها الأطفال، لا تحدث مضاعفات خطيرة. والتقييم الأولي السليم ممن يرعى الأطفال، هو أهم وسائل الحفاظ على حياتهم من أية مخاطر.

لا تقلق من عنوان الفقرة، فقط أُبرِز الاحتمالات الأكثر سوءًا. معظم حالات السقوط من نفس المستوى، خاصة على أرضية مغطاة بالسجاد، لا تسفر عن نتائج مقلقة. الحذر كل الحذر من السقوط من مستوى أعلى، كالتدحرج على درجات السلم، أو السقوط من أعلى سرير أو منضدة .. خصوصًا أن رأس الأطفال التي تسبق في نموها باقي أجزاءِ جسمهم تكون هي مركز الثقل، والجزء الذي يصطدم بالأرض أولًا في أكثرية الوقائع.

في حالة تعرض طفلك لواقعة سقوط خطيرة، اندفع فورًا إلى الطفل، وحاول تهدئة روعه، ثم اختبر درجة وعيه ونبضه وتنفسه. إصابات الرأس التي يتبعها تغير في درجة الوعي من أخطر المضاعفات، وتستدعي النقل الفوري للطوارئ. قد يبكي الطفل بشدة مصحوبًا

بانقطاع التنفس

لحوالي نصف دقيقة، لا تقلق من هذا طالما عادت أنفاسه بعدها. وبكاء الطفل معناه أن تنفسه ونبض قلبه يعملان. عند الشك في توقف النبض أو التنفس، قم بعمل الإنعاش القلبي الرئوي كما ذكرنا سابقًا أثناء نقله للطوارئ.

بعض الاطمئنان على الوعي والنبض والتنفس، الآن افحص جسم الطفل جيدًا. وجود جزء متورم بشدة، ويؤلم الطفل جدًا بمجرد الاقتراب منه، أو ظهور تغير واضح في شكل الطرف المصاب (الذراع أو الرجل)، فقد يعني هذا وجود كسر، خاصة إذا لم يستطِع الطفل الطرف تحريك الطرف المصاب.

لا تحرك الجزء المصاب حتى لا تفاقم الكسر، واطلب الإسعاف لنقل الطفل لعمل أشعة على الجزء المصاب لتأكيد أو استبعاد الكسر. إذا كان السقوط على الرأس، وتبعه قيء شديد مندفع، لابد أيضًا من النقل للمستشفى لعمل أشعة مقطعية على المخ، لاستبعاد وجود نزيف داخلي بالمخ.

أما في حالة حدوث نزيف خارجي نتيجة السقوط على سطح حاد، ارفع الجزء النازف لأعلى، واضغط بضمادة أو منديل على مكان خروج الدم حتى يتوقف. إذا تم استبعاد كل السيناريوهات السابقة، واقتصر الأمر على مجرد كدمة بسيطة، احتضن الطفل، وضع ضمادة باردة على مكان الكدمة لتقليل التورم والالتهاب.


الاختناق

يحدث كثيرًا أن يبتلع الطفل قطعة صغيرة من ألعابه أو ثمرة عنب كبيرة نسبيًا … إلخ، وتصل خطأً إلى جهازه التنفسي. قد نفقد الطفل في دقيقة إذا كانت القطعة كبيرة بالقدر الكافي لإغلاق المسار الهوائي تمامًا، ولذا لابد من

التحرك السريع ومساعدة الطفل

على التخلص مما ابتعله. أولًا هدئ روع الطفل، وشجعه لثوانٍ على السعال لطرد ما ابتلع. فإن فشل قم بذلك بنفسك.

إذا كان الطفل كبيرًا، قف خلفه، وقم بوضع قبضة يدك على صُرة بطنه، وبقوة اليدين اضغط للداخل ضغطاتٍ متتابعة – يزيد هذا الضغط داخل جسمه – حتى يلفظ الطفل ما ابتلع. ولكن تجنب الضغط على القفص الصدري.

فيديو مبسط يشرح فعل الخطوات السابقة:


إذا كان الطفل صغيرًا، احمله مقلوبًا على ذراعك مائلًا لأسفل قليلاً، مع فتح فمه عن طريق سحب الفم السفلي بأصابع اليد. اضغط باليد الأخرى على ظهره بين لوحيْ كتفه، في خمس ضرباتٍ متتابعة، ثم اقلبه بحذر وهو مائل للأسفل، واضغط بأصابعك خمس ضغطات أخرى في منتصف صدره. كرر الدورة السابقة حتى يلفظ الطفل ما ابتلع.

فيديو مبسط للأمر:


إذا لم تنجح المهمة، وفقد الطفل وعيه، قد يعني هذا توقف النبض والتنفس لانقطاع الأكسجين؛ ابدأ بعمل الإنعاش القلبي والرئوي، واطلب النجدة الطارئة.


الحروق

قد يتعرض الطفل لحروق متفاوتة نتيجة لمس جسم ساخن كالمكواة، أو لمس نار البوتاجاز مباشرة، لكن الأكثر شيوعًا هو حروق التعرض للمياه المغلية.

المهمة الأولى هنا هي إبعاد الطفل فورًا عن مكان الخطر، وإخماد النار إن كانت عالقة بجسمه. بعد هذا ابدأ فورًا

الاطمئنان على تنفسه

، إذ بعض حروق الوجه والرقبة، أو حروق استنشاق الأبخرة الساخنة، قد تسبب تورم المسارات التنفسية، وإعاقة دخول وخروج الهواء. في مثل هذه الحالات أسرِعْ إلى طلب الطوارئ الطبية، ولا تُضِعْ الوقت.

بعد الاطمئان على التنفس، افحص جسم الطفل جيدًا للتعرف على امتداد الإصابة. للتقليل من الضرر الحادث للأنسجة نتيجة الحرارة، احمل الطفل إلى أقرب مصدر للماء النظيف، وقم بإجراء الماء لربع ساعة على الأقل على الجزء المتضرر. لا تستخدم الماء البارد، فالبرودة الشديدة قد تسبب مزيدًا من الضرر للأنسجة. كذلك لا تضع معجون الأسنان، أو

الثلج أو الزبدة

… إلخ على مكان الحرق. فقط الماء معتدل الحرارة، وإلا سببت مزيدًا من الضرر.

قم بإزالة ملابس الطفل برفق لكشف جسمه كاملًا، لكن

لا تنزع ملابس الطفل الملتصقة

بالجزء المتعرض للحرق، أزِل ما حولَها واتركها. فإزالتها مؤلمة للغاية، وقد تسبب نزع طبقات من الجلد، مما يزيد فرص حدوث التلوث والجفاف. وفي حالة تكون فقاعات على سطح الجلد، الأفضل عدم ثقبها للحفاظ على اتصال الجلد.

لابد من

طلب المعونة الطبية العاجلة

، وعدم إضاعة الوقت في التعامل الأوَّلي، في الحالات التالية:

1. تعرض أكثر من 10% من مساحة جسم الطفل للحرق، حتى لو كان سطحيًا.

2. سبب الحريق كان الصعق الكهربائي، أو التعرض لكيماويات حارقة.

3. إذا كانت المنطقة المصابة سوداء أو بيضاء، علامة على حرق من الدرجة الثالثة.

4. إذا أصاب الحرق أماكن مهمة بالجسم ولو بمساحة ضئيلة، مثل الوجه والرقبة واليد والقدم والأعضاء التناسلية والمفاصل. فهي تحتاج لتعامل خاص، لقابليتها للتورم/ ووجود أنسجة حيوية للغاية كالأعصاب والشرايين … إلخ.


التسمم

كثيرًا ما يتناول الطفل ما لا ينبغي تناوله (صابون سائل – منظف – دواء ليس له – …. إلخ). كالعادة تركيزنا أولًا على الاطمئنان على الوعي والتنفس والنبض.

في حالة فقدان الوعي مع وجود التنفس والنبض، ضع الطفل على جانبه الأيسر، مع جعل فمه مفتوحًا لأسفل أثناء نقله للمستشفى. وخد معك العبوة الخاصة بما تناوله الطفل – إن كنت تعرفه تحديدًا – لتساعد الأطباء في علاج الطفل.

إذا حدث وتقيَّأ الطفل بعد تناوله للمادة الغريبة، حاول أن تحمل معك إلى المستشفى عينة مما تقيأه الطفل ليتم تحليلها ومعرفة مكوناتها، إذا لم تكن تعلم تحديدًا ما الذي تناوله الطفل.

الخلاصة

سرعة رد الفعل مع السيطرة على أعصابك وانفعالاتك، هو سلاحك الأول لإنقاذ طفلك. وبالطبع الوقاية خيرٌ من العلاج، فاجعل المنزل أكثر أمانًا بإبعاد كل ما يحمل ضررًا محتملًا عن متناول الكائن المتطفل الذي لا يستطيع أن يقاوم اكتشاف كل ذرة في محيطه!